أحمد زكي صفوت

37

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

ومن ذلك أمر أرزاقهم أن يوقّت لهم أمير المؤمنين فيها وقتا يعرفونه ، في كل ثلاثة أشهر ، أو أربعة ، أو ما بداله ، وأن يعلم عامّتهم العذر الذي في ذلك من إقامة ديوانهم ، وجمل « 1 » أسمائهم ، ويعلموا الوقت الذي يأخذون فيه ، فينقطع الاستبطاء والشكوى ، فإن الكلمة الواحدة تخرج من أحدهم في ذلك ، أهل أن تستعظم ، وإنّ باب ذلك جدير أن يحسم ، مع أن أمير المؤمنين قد علم كثرة أرزاقهم ، وكثرة المال الذي يخرج لهم ، وأن هذا الخراج إن لم يكن رائجا لغلاء السّعر ، فإنه لابدّ من الكساد والكسر ، وأن لكل شئ درّة وغزارة ، وإنما درور خراج العراق بارتفاع الأسعار ، وإنما يحتاج الجند اليوم إلى ما يحتاجون إليه من كثرة الرزق ، لغلاء السعر ، فمن حسن التقدير إن شاء اللّه أن لا يدخل على الأرض ضرر ، ولا بيت المال نقصان من قبل الرحمن ، إلا دخل ذلك عليهم في أرزاقهم مع أنه ليس عليهم في ذلك نقصان ، لأنهم يشترون بالقليل مثل ما كانوا يشترون بالكثير ، فأقول : لو أن أمير المؤمنين خلّى « 2 » شيئا من الرزق ، فجعل بعضه طعاما ، وجعل بعضه علفا ، وأعطوه بأعيانه ، فإن قوّمت لهم قيمة ، فخرج ما خرج على حسابه « 3 » قيمة الطعام والعلف ، لم يكن في أزاقهم لذلك نقصان عاجل يستنكرونه ، وكان ذلك قوة لهم في نزالهم عند الحمل على العدو « 4 » ، وإنصاف بيت المال من أنفسهم فيما يستبطئون مع أنه إن زاد السعر أخذوا بحصّتهم من فضل ذلك . ومن جماع الأمر وقوامه بإذن اللّه أن لا يخفى على أمير المؤمنين شئ من أخبارهم وحالاتهم وباطن أمرهم بخراسان والعسكر والأطراف ، وأن يحتقر في ذلك النّفقة ،

--> ( 1 ) الجمل : الجمع . ( 2 ) في الأصل « ما خلا » والمعنى عليه غير مستقيم ، وأرى أن صوابه « خلى » بمعنى انتقص واقتطع ( 3 ) الحسابة : الحساب ، مصدر حسبه كنصر : أي عده . ( 4 ) في الأصل « وكان ذلك . . . . نزالهم لحمل العدو » .